نور الدين عتر
232
علوم القرآن الكريم
قال الرماني « 1 » يوضح بلاغة هذه الآية وما بها من الاستعارة : « أصل الاشتعال للنار ، وهو في هذا النص أبلغ ، وحقيقته كثرة شيب الرأس ، إلا أن الكثرة لما كانت تتزايد تزايدا سريعا صارت في الانتشار والإسراع كاشتعال النار ، وله موقع في البلاغة عجيب ، وذلك أنه انتشر في الرأس انتشارا لا يتلافى ، كاشتعال النار » . وهذا التعبير لم يكن معروفا عند العرب ، وذلك أنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار للسرعة وللبياض وللملازمة ، ولأنه ينتهي بتدمير ما تتصل به ، وتجعل حطامه ترابا « 2 » . هذا عرض سريع لفن التصوير في القرآن ، يبرز إعجاز القرآن وفق منظور معاصر ، ومقياس فني حديث ، سبق فيه القرآن تقدم العصور والقرون ، بل تفنن في هذا التصوير بما تعجز عنه آلات التصوير الحسية ، وفنون التصوير الأدبية ، وقد شمل في تصويره أنواع الظواهر الطبيعية في الإنسان والكون ، وتوغل في المشاعر الداخلية ، وعرض للمعاني الدقيقة في صور من السمع والبصر والذوق والوجدان واللون والزمان والمكان . . . وجعل من هذا الجمال الفني المعجز قالبا يحمل جمال الفكرة والدعوة ، والحجج والبراهين ، والحكم والتشريع ، لكي يعتصم الإنسان بحبل القرآن في كل مكان وكل زمان .
--> ( 1 ) في رسالته النكت في إعجاز القرآن 81 - 82 . ( 2 ) انظر المعجزة الكبرى لمحمد أبو زهرة ص 280 - 281 . وللجرجاني تفصيل قيم حول بلاغة الآية لم نطول به .